الحمد لله رب العالمين وبعد:
الخير والشر -عند أهل السنة- كلاهما واقع بقضاء الله وقدره، ومشيئته، وهو خالقهما سبحانه لا شريك له.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (6/63) في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كل شي بقدر حتى العجز والكيس»: «وفي هذا الحديث: أدل الدلائل وأوضحها على أن الخير والشر كل من عند الله، وهو خالقهما لا شريك له ولا إله غيره؛ لأن العجز شر، ولو كان خيراً ما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعاذ من الكسل والعجز، والجبن والدَّينِ، ومحال أن يستعيذ من الخير.
وفي قوله تعالى ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ [الفلق: 1ـ 2] كفاية لمن وفق». اهـ.
وقال النووي في "شرح مسلم" (5/301): «مذهب أهل الحق: أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها».اهـ
إلا أنَّ الشر -وإن كان واقعاً بقضاء الله تعالى وقدره- فإنه لا يُنسب إلى الله تعالى ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك».[ أخرجه مسلم (771) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه]
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: «فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه، بل كل ما نسب إليه؛ فهو خير، والشر إنما صار شراً لانقطاع نسبته، وإضافته إليه؛ فلو أضيف إليه لم يكن شرًا.
وهو سبحانه خالق الخير والشر؛ فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، وخلقُه وفعله، وقضاؤه وقدره خير كله». اهـ. [شفاء العليل (2/63- 64)]
وقال -رحمه الله-: «فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه، لا في ذاته، ولا في أسمائه ولا في صفاته، ولا في أفعالة، وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر، ويكون شراً بالنسبة إلى محل، وخيراً بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيراً بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه؛ كما هو شر له من وجه بل هذا هو الغالب...
وهذا كالقصاص، وإقامة الحدود، وقتل الكفار؛ فإنه شر بالنسبه إليهم لا من كل وجه، بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم؛ لما فيه من مصلحة الزجر والنكال، ودفع الناس بعضهم ببعض.
وكذلك الآلام والأمراض، وإن كانت شروراً من وجه؛ فهي خيرات من وجوه عديدة، وقد تقدم تقرير ذلك.
فالخير والشر من جنس اللذة والألم، والنفع والضرر، وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب، وفعله القائم به».اهـ [شفاء العليل" (2/257)]
ومن هنا؛ فإنَّه «لا يضاف الشر إليه -سبحانه- مفرداً قط، بل:
1- إما أن يدخل في عموم المخلوقات؛ كقوله تعالى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 101].
2- وإما أن يضاف إلى السبب؛ كقوله: ﴿ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ [الفلق: 2]
3- وإما أن يحذف فاعله؛ كقول الجن: ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴾ [الجن: 10] ».اهـ
[من فتاوى شيخ الإسلام" (14/266)]
والله أعلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
.
جمعه: أبو بسطام إبراهيم بويران الأخضري الجزائري -كان الله له-


